راديو البلد
95.6 FM
آخر الأخبار
Microphone
البث المباشر
مقالات | شام بغير شامها
شام بغير شامها
2018-10-12

...شام بغير شامها...

 

كتبت/انعام قشوع..

ليل حالك، دقت الساعة، ربما الثانية فجرا بتوقيت الحرب، لم تستطع ان ترى بوضوح، مكان موشح بالدخان، النور الوحيد كان على بعد اميال يشع من احتراق دمية صغيرة..

 

لا شيء، سوى ارتطام حجارة المباني، الانفجار الرابع على التوالي، لحسن حظها لم تصب بعد..

 

جلست في زاوية القبو، تضم بين يديها برحمها المنفوخ، روح اخرى لم تستنشق غبار الهدم، ودخان الحرائق..

 

صوت قادم" اطلعوا، اطلعوا، اتركوا كل شي وروحوا ع شارع 2".

انه البقال السبعيني، او وطن.

كان يصيح على الناجيين في المنطقة، ويلازم صوته كحة خميلة..

 

سندت اسفل ظهرها بيدها، ورفعت طرف عبائتها وقبضت عليها بأسنانها، تعثرت ثلاثة عشر مرة قبل ان تصل..

 

اكثر من خمسين مشرد، تنتظرهم قوارب الهجرة المربعة..

اما هي، كانت خائفة من الهروب من الموت الى الموت، وان الفارق الوحيد بين الاثنان، درجة الحرارة..

 

صعدت الزورق، كان مكتظا بالهدوء، كل ما تسمعه، اصوات التجديف وكحة السبعيني..

 

اليوم الخامس فوق الماء، تستيقظ فيه امعاء الراكبين كمنبه، اما هي ايقظتها رفسة قدم صغيرة، ربما لم تكتمل اصابعها بعد..

 

راحت تبكي وتضحك في آن، فرحة لانها اطمئنت على جنينها، بعد ان خمدت حركاته لبضع ايام..

 

ومضة ضوئية تأتي على غفلة، والقارب في عرض البحر، لقد اكتسوا بالمطر، وصوت طقطقة اسنانهم ارتجافا من البرد، يكاد يفوز بأجمل مقطوعة موسيقية..

 

هادئة، ربما اصيبت بمتلازمة اللامبالاة، تشاهد محاولات ايادي الاخرين التي تصلبت بردا،

انتشال جثة ابو وطن، الذي ماتت كحته الى الابد..

وتستمع لصراخ امراة، حاولوا انتزاع جثة رضيعها الذي لن يكبر ايضا، ولكنهم فشلوا..

 

رموا بجثة البقال في هذا الجوف الازرق، اما الرضيع ظل في حضن والدته التي راحت تغني له تهويدة، بعد ان اصيب بالهستيريا..

 

لقد تخلصوا من جثة الرضيع قسرا، وضحكات والدته المجنونه، هدات بعد ثالث يوم، ربما اصيب بجلطة فماتت قهرا حتى لحقت به..

 

تضم جمينها وتتمتم " الحمدلله انك لساتك هون، وانك ما شفتي شي، اصبري يا ماما، رح نضل مع بعض او بنموت مع بعض، ما تخافي، بحبك"..

 

ستة ايام بعد الحادثة الاخيرة، كل ما يتجدد تعاقب الليل والنهار، واصفرر الوجوه..

 

الصباح المخالف، النهار الاخير، "ساعة تقريبا ونرسأ برا"..

 

انها الجملة المنتظرة، بعد سماع هذا، رسأ الخوف ايضا، ومن شدة التعب، لم يقدروا على الابتسامه، جميعهم استبدلوها بغفوة صغيرة، الا هي لم تنم..

بعد دقائق " اصحوا، الحمدلله ع سلامتكن، وصلنا يا جماعة"..

 

واحد وعشرين يوما..وطئوا المخيم، واستلمت بطانتيها، بقيت رفيقة جنينها..

شهران متتاليان، كانت تهون على نفسها بمشاركة اللاجئيين سرد قصصهم..

 

ظهيرة الثلاثاء، اليوم الذي يكرهه الجميع لتأخر احضار وجبة الغداء..

الرابعة والنصف، الم شديد في اسفل بطنها وظهرها، لم تكترث، انه الشهر السابع، لا زال هناك متسعا من الوقت للولادة..

 

كان الالم يزداد شيئا فشيئا، صرخت ثلاث مرات، اما الرابعة، كانت لملاك صغير وطأ الارض مبكرا..

 

طفلة جميلة، تحاول جاهدة شقشقة عينيها، ليكن اول ما تبصره، وجوه اللاجئين والخيام..

انها الصغيرة "شام"

 

اللحظات الاولى بتوقيت شام، تأتي اخيرا وجبة الغداء، انها الوجبة المصحوبة بالمباركات والتهنئة..

كانت كلما قال لها احدهم "تربى بعزك" تكتفي بهز رأسها فقط..

 

لا يوجد عز بين التشرد والمنفى، لن اسعد قط، حتى اعود بالشام الى الشام، واراها تزرع اول ياسمينة صغيرة، بعد اول اتفاقية غير مازحة بالاستقلال والسلام..